الرئيسيه

تدريس المسألة الدّينيّة: الإشكاليّات الرّاهنة والآفاق المنشودة

nuage

تدريس المسألة الدّينيّة: الإشكاليّات الرّاهنة والآفاق المنشودة

الدكتورة  إيمان المخينيني

المقدّمة

أن يستحيل الدّين موضوعا للتدريس ومادّة معرفيّة منقولة من مدرّس إلى متعلّم فذلك مثير لعدد من التّساؤلات غير قليل.

فكيف نتمكّن من تمرير المعرفة الدّينيّة بشكل يبعث في المتلقّي الدّافعيّة للإقبال بشغف على المعارف المقترحة؟

وأيّ نوع من القضايا يستوجب منّا طرحه لإشعار المتعلّم براهنيّة المسائل المثارة وبمحايثتها للمعيش من النّوازل الطّارئة؟

إنّ التجربة العقديّة اليوم تطرح من الأسئلة علينا جميعا ما به يستوجب منّا بذل مجهود فكريّ نتدبّر من خلاله حقيقة أبعاد هذه التّجربة ونستشرف من ثمّ الإمكانات التي تسمح بإكساب هذا المجال المعرفيّ قيمته الفاعلة.

من هنا ينبغي للباحث عن تطوير تدريس مادّة التّفكير الإسلاميّ أن يرصد أهدافه الكبرى بشكل منهجي منذ البدء. فالخوض في مسائل التجديد والإصلاح لا ينبغي أن ينطلق من خطوات اعتباطيّة لأنّها تحكم سلفا بفشل كلّ محاولة.

لذلك نعتبر أنّه من الضّروريّ أن ننزّل قضيّة تدريس المادّة ضمن إطار نظريّ واضح يقوم في أساسه على نقطتين تضبطان تصوّرنا لواقع المسألة ولآفاقها المنتظرة.

ففي مستوى أوّل نعتني بطرح جملة الإشكاليّات التي تعترض المنشغل بمستقبل تدريس هذه المادّة وهي تمثّل الواقع الرّاهن الذي كان نتاجا لاختيارات بيداغوجيّة ومعرفيّة سابقة. والمطلوب منّا اليوم الوقوف عليها وتشخيصها لتفادي كمّ من الأخطاء المرتكبة.

أمّا في المستوى الثّاني فنحن مدعوّون إلى التّفكير في ما يمكن أن يفتح على آفاق جديدة ترسم للمادّة ملامح مغايرة لما ألف منها في سابق الفترات.

واقع تدريس مادّة التفكير الإسلاميّ

تنطلق الحاجة إلى مراجعة السّندات المعرفيّة لمادّة التّفكير الإسلاميّ من الوعي بما يحفّ بهذه المسألة من مشاكل متعدّدة المستويات. البعض منها يتّصل بالضارب وبعدد الحصص المخصّصة في الأسبوع لتدريسها. وهي أمور تسبّبت في إضعاف الاهتمام بها من قبل المتعلّم وفي إفقاد الكثير من الأساتذة الرّغبة في البحث المتعمّق وفي تقديم الإضافة إلى التّلاميذ علاوة على ما تتيحه النّصوص المدرجة رسميّا في الكتاب المدرسيّ من معطيات.

أمّا البعض الآخر من الإشكاليّات فنجمله في النّقاط التّالية:

  • تهميش الاعتناء بمادّة التربية الإسلاميّة في المستويات التعليميّة الأولى ممّا أنتج فراغا لدى المتعلّم وجعل من علاقته بالمادّة سطحيّا وعابرا. ومن شأن هذا الأمر أن ينعكس سلبا على طبيعة استعداده لتلقّي المادّة في مستويات لاحقة خاصّة إذا تعوّد على هامشيّة حضورها في حياته.
  • علاقة طرفي العمليّة التّعليميّة بالمحتوى المعرفيّ وبنوعيّة المسائل المثارة. وهي علاقة بدأت تفتر شيئا فشيئا نتيجة تباعد المواضيع المدرجة في برامج التدريس عن الاهتمامات الرّاهنة وعن المسائل التي ما فتئت تثير في المنشغلين بالشّأن الدّينيّ استفسارات شائكة ومربكة. ذلك أن الكثير من المحاور المهتمّة بالتعريف بالمسائل العقديّة كما طرحت في سياقات تاريخيّة ماضية، لا يتبيّن التلميذ صلتها براهن القضايا التي يعيشها ويخوض فيها أو يسمع عنها في خضمّ النّقاشات الدّائرة في المجتمع خاصّة في الظرفيّة الرّاهنة التي يمرّ بها وطننا. فكلّ معرفة لا تكتسب وجاهتها إلاّ من خلال فعلها المؤثّر والمتأثّر تاريخيّا. وهو شرط تأويليّ أساسيّ نعتبره مغيّبا إجمالا في نوعيّة الطّرح المقترح في مادّة التفكير الإسلاميّ على اختلاف المستويات التّعليميّة.
  • سوء فهم الكثير من المبادئ الحداثيّة وإسقاطها على مسائل المادّة باعتبارها المعيار المطلق الذي يقيّم حقيقة التّصوّرات الدّينيّة ويقول بشأنها القول الفصل. وهذا الإشكال ناتج عن جملة من الاختيارات البيداغوجيّة وحتّى الإيديولوجيّة السّابقة التي جعلت من الذّات الغربيّة مركز الكون ومن منظومتها القيميّة التي أفرزتها منظومة كونيّة شاملة. وهو ما كان سببا مباشرا في دونيّة النظرة إلى الذّات الإسلاميّة وخلّف عبر التّاريخ انعدام ثقتها في ذاتها وتفريطها في تدبّر المنظومة الأخلاقيّة التي تحويها المدوّنة التّراثيّة. فكان العمل على قراءة التّراث بمعيار الآخر الغربيّ وبتصوّراته عن النّصّ الإسلاميّ أساسا منهجيّا ثابتا وسابقا على رؤية الذّات لتراثها مباشرة وفي غياب وسائط أو أفكار مفروضة عليها. هذا الإشكال العميق في تدبّر التّراث تتجلّى مظاهره بشكل لافت في نوعيّة الأسانيد النّصّيّة المعتمدة وفي نوعيّة المفاهيم و المصطلحات المطروحة للدّرس.
  • التشتّت المنهجيّ وتداخل الرّؤى. ونلمس ذلك من خلال جملة الاستفسارات التي تشغل القائمين على تدريس مادّة التفكير الإسلاميّ ومن بينها:
  • هل المطلوب من هذه المسألة أن تنقل إلى المتعلّم المعارف القديمة التي تتيحها مصادر التّراث الإسلاميّ لكون هذه المعرفة لا تتاح له إلا في إطار هذه المادة؟
  • أم أنّ المهمّة المعرفيّة تكمن على العكس من ذلك في نقل المعارف الحديثة وفي تنزيلها في سياق إسلاميّ لإبراز ضرب من التّوافق والانسجام بين المرجعيّتين؟
  • وهل أنّ الرّهان التربويّ التعليميّ الذي يراد بلوغه من قبل واضعي البرامج الرّسميّة ومن بعدهم مدرّسي المادّة هو أبعد من هذا وذاك حيث يتنزّل ضمن إطار أعمق من مجرّد نقل معارف ومعلومات حول الدّين، إلى مستوى الإسهام في نحت تجربة إيمانيّة تكسب المتعلّم الثّقة في وجاهة دراسة المسألة ومن ورائها في مشروعيّة الحديث عن تجربة عقديّة معاصرة في زماننا هذا؟

إنّ كلّ إشكاليّة لها من المبرّرات ما يشرّع إثارتها. ولكنّها تتفاوت فيما بينها في درجة عمق الطّرح وفي مستوى الرّهان الذي تجري إليه وتسعى إلى بلوغه. ولكنّ ترجمتها إلى محاور فعليّة للدّراسة هو ما يرسم لمادّة التفكير الإسلاميّ ملامحها المخصوصة.

وننبّه في هذا السّياق إلى أنّ كلّ تساؤل ممّا سبق إنّما يعبّر عن حيرة منهجيّة ومعرفيّة تجاه الغاية المنشودة من وراء تدريس مادّة لا تتصل فقط بالجانب العلميّ أو المعرفيّ إنّما هي على صلة وثيقة بالانتماء الدّينيّ لدى ناقل المعرفة ومتلقّيها على حدّ سواء. وهنا تحديدا تكمن الصعوبة الحقيقيّة لتدريس التفكير الإسلاميّ في تصوّرنا، ومن هنا أيضا ينبغي علينا الانطلاق للتفكير في ما من شأنه أن يفتح سبلا جديدة لطرح المسألة الدّينيّة من زاوية نظر أخرى.

  • في الآفاق المنشودة لتدريس التفكير الإسلاميّ

نبغي في البدء أن ننطلق من الاقتناع بقيمة تدريس المادّة الدّينيّة في تكوين المتعلّم. وأن لا نجعلها تابعة لأيّة مرجعيّة معياريّة أخرى تضبط مجالها أو تقيّم مفاهيمها وتصوّراتها.

ويجب أن نتذكّر في هذا السّياق أنّ الثّقافة الغربيّة لم تقلّل من شأن التجديد في صياغة الفهم الدّينيّ. إنّما كان هذا المجال دافعا من دوافع الثّورة على ممارسات رجعيّة تتأوّل النّصّ المقدّس على نحو احتكاريّ ومتعسّف. وإن كان الأخذ عن الغرب أمرا متحتّما، فينبغي أن يكون في مستوى الإفادة من المسارات الفكريّة الكبرى الموجّهة لعمليّة الفهم والإصلاح الدّينيّ، لا في مستوى النتائج النّهائيّة الجاهزة التي تخصّ ثقافة مغايرة لثقافتنا.

وفي الظّنّ أنّ مادّة التفكير الإسلاميّ جديرة بالاضطلاع بمسؤوليّة المراجعة التّأويليّة التي تسمح بإقدار المتعلّم على تفهّم الظّاهرة الدّينيّة بشكل يبعث على الثّقة في حضورها الرّاهن وليس العكس.

وللتفكير في آفاق جديدة لتدريس المسألة نعود إلى الإشكاليّات السّابقة لنقابلها بمقترحات حلول:

  • يفترض بالعاملين على تخيّر البرامج الرّسميّة لمادّتي التربية الإسلاميّة في المستوى الإعداديّ والتفكير الإسلامي في المستوى الثّانويّ، أن يعملوا على التّنسيق بين برامج المستويين على نحو يكفل إيجاد تدرّج في المحتوى المعرفيّ يرقى بالتّلميذ من درجة إلى أخرى في تشكيل معارفه الدّينيّة واتّخاذ الموقف منها.

كما ينبغي أن ننبّه إلى مركزيّة البعد التّطبيقيّ في إرساء دعائم التجربة العقديّة لدى المتلقيّ خاصّة في المرحلة التّكوينيّة الأولى. فمن الضّروريّ جدّا أن تجد المعرفة الدّينيّة سبيلها إلى الممارسة الفعليّة لتكون تجربة عمليّة وقريبة من خصوصيّة الإدراك والتّمثّل لدى تلاميذ هذه المرحلة. لأجل ذلك يفترض في الجهاز البيداغوجيّ أن يخدم هذا الرّهان العامّ الذي يبعث في المادّة روحا إبداعيّة جديدة، ويخرج بها من إشكاليّة الحضور الهامشيّ إلى فعليّة الحضور المؤسّس لتكوين شخصيّة المتعلّم في خطواته الدّراسيّة الأولى.

  • إنّ مواجهة إشكال التّباعد بين مسائل الدّرس والقضايا الرّاهنة التي يعاينها المتعلّم باطّراد في المجتمع، يستوجب مراجعة هذا الطّرح بإعادة النّظر في نوعيّة المشاغل التي تعمّق في المتعلّم انتماءه العقديّ ولا تشعره بالاغتراب عن واقعه في الوقت ذاته. ومن شأن هذه المراجعة للمحتوى المعرفيّ أن تعيد ثقة المدرّس في نجاعة المادّة التي يقدّمها للمتعلّم بفعل راهنيّة القضايا المقترحة لتدارسها.
  • إنّ اعتبار الرّؤية الإسلاميّة قاصرة عن تمثّل حقيقة ما يحفّ بنا من مشاغل، وعدّها معرفة تابعة لسلطة الطّرح الحداثيّ موقف كاشف عن تقديس للمبادئ الحداثيّة بشكل مفرط وغير مبرّر.

فالمطّلع على تاريخ هذه الفلسفة في فضائها الغربيّ وفي فترات تاريخيّة متأخّرة يقف بكلّ وضوح على إحراجات عميقة ما فتئت تحدث الرّجّة تلو الأخرى في هذا الفكر. إلى درجة أنّ البراديغمات المركزيّة التي قام عليها كالعقلانيّة والذّاتيّة وغيرها قد باتت محلّ مساءلات إشكاليّة تفنّد الاعتقاد في بداهتها وتشكّك في القول بمعقوليّتها المطلقة.

والإشكال أنّنا نلحظ من قبل بعض المثقّفين الحداثيّين في بلادنا تشبّثا ببعض المقولات التي تجاوزتها الفلسفة الحداثيّة الغربيّة نفسها بأشواط دون أن يتفطّنوا إلى أنّهم لا يزالون يبشّرون بحداثة القرن ال17 التنويريّة وهم يعتبرون منظومتها القيميّة التي أتت بها لا يطالها شكّ ولا يرقى إليها دحض. في حين أنّ مقولاتها الأساسيّة على رأي أحد الدّارسين “قد أصابها خلل لا يعاد له سبك”(فتحي المسكيني، الفيلسوف والإمبراطوريّة).

وانطلاقا من هذه المراجعة استأنف النظر في مشروعيّة القول بكونيّة المنظومة القيميّة التي أنتجها هذا الفكر، وكان من نتائج هذه العودة النّقديّة أن اعتبرت مقولة الكونيّة إسقاطا لخصوصيّة الذّات الغربيّة على البعد الإنسانيّ الشّموليّ. فكلّ كونيّة إنّما تشتقّ من مقام الذّاتيّة معناها ودلالتها.

ولعلّنا من هذا السّياق المخصوص نفهم نقد نيتشه لفلسفة إرادة القوّة لدى الغرب الذي أراد فرض هيمنته بشكل مطلق على الآخر ممثّلا في الشّرق فأعاد صياغة مفهومه عنه انطلاقا من فهمه المخصوص له. من هنا كانت دعوة إدوارد سعيد إلى أن يستأنف الشّرق قراءة تاريخه وكتابة فهمه لتراثه بنفسه وأن يكشف عن وجوه المغالطة التي قصد إليها الغرب في تشكيل صورة متخيّلة عن الآخر الثّقافيّ الذي ما انفكّ يعدّه خصما تاريخيّا وإن تغيّرت أدوار السّيادة وانقلبت حدّ التّناقض.

لقد أصبحت أزمة الحداثة مشغلا فكريّا أساسيّا لدى جملة من الباحثين المختصّين في الفلسفة والذين يقرؤون مشاريع الفكر الإسلاميّ العربيّة في ضوء هذه الحقيقة الرّاهنة. ولنا في كتاب الد. عبد الرّزّاق بلعقروز من جامعة سطيف بالجزائر دليل على هذا الانشغال الدّقيق بانعكاس هذا المشغل النّقديّ على طبيعة العلاقة بالموروث الإسلاميّ إجمالا وبالقراءات المعاصرة له. عنوان الكتاب “أزمة الحداثة ورهانات الخطاب الإسلاميّ” وفيه يشتغل الكاتب على إشكاليّات المشروع العقلانيّ الإطلاقيّ وعلى أزمة الفلسفة الكونيّة. واعتبر أنّ الحداثة قذ قامت على مبادئ ثلاثة أساسيّة هي:

  • علمنة القداسة
  • عقلنة الأسطورة
  • أنسنة الإلاه

وإذا بهذه المبادئ تنقلب إلى ضديدها لتستحيل إلى

  • تقديس العلمنة
  • أسطرة العقل
  • تأليه الإنسان

وإذا ما حاولنا تنزيل هذا الجدل النّظريّ في إطار انشغالنا بتجديد تصوّرنا لآفاق تدريس الثّقافة الإسلاميّة بات حجم المسؤوليّة جسيما. فنحن مدعوّون إلى القيام بمراجعات جذريّة لجملة المقولات التي طالما اعتبرناها بديهيّة ومنسجمة حدّ الإطلاق.

إلاّ أنّ نقد الحداثة لا ينبغي أن تفهم منه دعوة إلى القطع الكليّ مع المعارف التي تتيحها. ولكن نودّ أن يكون مشروع التّجديد التّربويّ فعلا تأويليّا بنّاء يحتفظ بالمسافة النّقديّة ويرى في الفكر الحداثيّ مصدرا من بين مصادر المعرفة لا معيارا قيميّا متمركزا حول الذّات الغربيّة بوصفها الأصل الكونيّ الشّامل والنّموذج الأرقى لكلّ قيمة إنسانيّة.

إنّنا نؤمن بأنّ كلّ رغبة في الإصلاح والتّجديد تنطوي على اعتقاد راسخ بإمكانيّة أن يكون للذّات دور تأسيسيّ فاعل في مجال عملها لا ينبغي أن تبخسه حقّه ولا أن تكون في شكّ من جدواه. وعلى  هذا الأساس بالذّات بنينا مشاركتنا في تشكيل تصوّر لملامح جديدة لمادّة تدريسيّة ينبغي لها أن تضطلع بمسؤوليّتها في إعادة تشكيل وعي عميق بقيمة العمليّة التّعليميّة في اختصاص التّفكير الإسلاميّ بشكل يكسبها نجاعتها اللاّزمة والمنشودة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *