الرئيسيه

ندوة ابيستيمولوجيا تدريس المسألة الدينية

zitouna1

كلمة رئيس الجمعية في افتتاح ندوة ابيستيمولوجيا تدريس المسألة الدينية

يأتي هذا اليوم الدراسي في وقت يكاد يجمع فيه الباحثون والمفكّرون على أنّ الأنظمة التعليمية في البلاد العربية، قد عجزت حتى الآن عن القيام بمهامها الأساسية في بناء الشخصية المتوازنة للإنسان المسلم، وأنّها فشلت في إيجاد معادلة  معرفية وقيمية متناغمة، وفيّة لروح الثقافة الإسلامية الإيمانية، ومستجيبة للتحديات الحضارية العلمية المعاصرة في آن.

الجمعية التّونسية للتربيّة والتفكير الإسلامي جمعية علميّة تربويّة، تعنى بالشأن التعليمي التعلّمي وتبحث  في السبل الكفيلة بتجويد مردود المؤسسة التربويّة والارتقاء  بأداء مادتي التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي، باعتبارهما حاملين أساسين للوعي الديني وللقيم الروحيّة والأخلاقيّة التي يريد المجتمع تربية النشء عليها، وباعتبار الدور الريادي الموكول لهما في بناء الشخصيّة المتوازنة للفرد وتربيته على قيم المبادرة والابتكار وتأهيله للفعل الإيجابي في أبعاده الحضارية والكونية، استنادا إلى المرجعيّة الإسلامية الإنسانية السامية.

تأسست الجمعية التّونسية للتربيّة والتفكير الإسلامي بمقتضى المرسوم الصادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 28 جويلية 2012. ويمثّل ميلادُها ضرورة تربوية وفكرية اقتضتها التحوّلات السياسيّة والفكريّة العميقة التي يشهدها المجتمع التونسي والمجتمعات العربيّة والإسلاميّة عامّة في السنوات الأخيرة، وهي مدعوّة، باعتبارها مكوّنا من مكوّنات المجتمع المدني، إلى المساهمة الفعلية في خلق التوازنات المرجعية والفكرية التي يحتاجها المجتمع التونسي، ومساعدة المعنيين بالأمر على تذليل الصعوبات المتنوّعة التي تحول دون تحقيق المقاصد والطموحات الكبيرة التي تستهدفها مادتا التربية والتفكير الإسلامي بالنجاعة المطلوبة

وفي إطار انفتاح الجمعية على محيطها الفكري والثقافي، وسعيا إلى تحقيق تلك المقاصد والطموحات، انخرطت الجمعية في أنشطة مشتركة مع عدد من الهيئات العلمية نتقاسم معا اهتمامات متقاربة، منها مركز حوار الحضارات والأديان المقارنة بسوسة الذي نظمنا معه ندوة وطنية موضوعها تدريس الموادّ الدينيّة في المدارس العموميّة: الواقع وسبل التطوير، ومنها وحدة بحث فقهاء تونس (معهد أصول الدين) الذي نظمنا معها ندوة دولية بعنوان التعليم الديني بالبلاد التونسية واقعه وسبل تطويره، ومنها أيضا المنظمة الإسلامية للعلوم والثقافة isesco  التي لنا معها علاقات يمكن أن تتطوّر في الاتجاه الذي يثمر إيجابا بإذن الله، وكذلك الشأن بالنسبة إلى الرابطة التونسية للأدباء والمفكرين ومركز الدراسات الإسلامية بالقيروان  ومعهد الحضارة

وامتدادا لهذا التوجّه التشاركي، ها نحن اليوم بجامعة الزيتونة وتحديدا بالمعهد العالي لأصول الدين، الذي أنتهز هذه المناسبة لأتقدّم بخالص عبارات الشكر والامتنان إلى المشرفين عليه وعلى رأسهم الأستاذ الفاضل  الدكتور منير رويس الذي فتح لنا هذا الأفق الجديد للتعاون والتفكير المشترك.

والشكر موصول إلى الأستاذ الفاضل  الدكتور هشام قريسة رئيس جامعة الزيتونة الذي وجدنا منه المساندة والتشجيع.

يأتي هذا اليوم الدراسي في وقت يكاد يجمع فيه الباحثون والمفكّرون على أنّ الأنظمة التعليمية في البلاد العربية، قد عجزت حتى الآن عن القيام بمهامها الأساسية في بناء الشخصية المتوازنة للإنسان المسلم، وأنّها فشلت في إيجاد معادلة  معرفية وقيمية متناغمة، وفيّة لروح الثقافة الإسلامية الإيمانية، ومستجيبة للتحديات الحضارية العلمية المعاصرة في آن.

لقد انخرطت الأنظمة التعليمية في الوطن العربي منذ استقلالها في مسار تعليمي يقوم على ازدواجية في الخطاب وازدواجية في التصوّر، تحكمه نظرة ثنائية، أحيانا ضمنية وأحيانا صريحة، تصنّف التعليم إلى صنفين:  تعليم ديني تقليدي “أصيل”، يهتم بمعرفة مبادئ الدين وأحكامه وشعائره، وتعليم مدني معاصر يدرس العلوم الاجتماعية والطبيعية والتطبيقية، في استقلال كامل عن الرؤية الإسلامية التوحيدية.

ولا يخفى ما تحمله هذه الازدواجية من مخاطر حضارية، وما تغرسه في الناشئة من تصوّرات، يتحوّل الإسلام بمقتضاها من مشروع حضاري شموليّ ورؤية للإنسان والعالم والتاريخ إلى عدد من الأفكار “المتحفية”  وقائمة من العقائد والطقوس والشعائر.

وإذا كان المسلمون الأوائل قد برهنوا على قدرة الإسلام على التفاعل مع حركة التّاريخ، وعلى تقديم الإجابات لجميع الحوادث والمستجدات، دون الإخلال بالوحدة الشموليّة والكلّيّة التّي تحكم رؤية الإسلام للإنسان والعالم والتاريخ ولحدود العلم والمعرفة، فإنّ المطلوب اليوم، كحدّ أدنى،  وفي ظلّ التحديات التي تعيشها الأمّة، أن نبحث عن الصيغ والطرائق الكفيلة بتحقيق التّساند  بين الأبعاد القيميّة الإيمانية والأبعاد المدنية للمعرفة، وأن نجد الحلول الناجعة القادرة على تقليص القطيعة المفتعلة القائمة بين المواد التعليمية

لا شكّ أنّ المدرسة تضطلع بدور مركزي في التنشئة القيميّة والاجتماعيّة، وترتبط بنيويّا ووظيفيّا بالمحيط السوسيو-ثقافي العامّ للمجتمع، باعتبار العلاقة الجدليّة القائمة بين غايات المدرسة وانتظاراتها وبين التحوّلات الفكريّة والسياسيّة التي يشهدها المجتمع. ويحتلّ تدريس المسألة الدينيّة مكانة هامّة في هذا المجال لأنّها حامل أساسي للوعي الديني وللقيم الروحيّة والأخلاقيّة التي يريد المجتمع تربية النشء عليها. ولعلّها بسبب ذلك مطالبة أكثر من غيرها من الموادّ بالإسهام الفاعل في تربية المتعلّمين استنادا إلى المرجعيّات الدينيّة العليا وبانسجام كامل مع المعارف العلميّة ذات الصلة ومع حاجات المجتمع وتطلّعاته واختياراته التربويّة.

ولئن كانت النصوص المرجعيّة لمادّتي التربية والتفكير الإسلامي في تونس برامج وكتبا مدرسيّة تصرّح بالدور الريادي لهاتين المادّتين في بناء الشخصيّة المتوازنة للفرد وتنشئته تنشئة اجتماعيّة صالحة وتأهيله للفعل والمبادرة والابتكار عبر تجذيره في هويّته وتمكينه من المشاركة الفاعلة في محيطه الاجتماعي…

فإنّ هذا الطموح الكبير يصطدم بما يلاحظه كثير من المتابعين للشأنين التربوي والاجتماعي من تردّي الأبعاد القيميّة وضعف القدرة على الاندماج الثقافي والاجتماعي والاقتصادي لدى فئات واسعة من الناشئة.

ولئن كان هذا الوضع مرتبطا بالاختيارات التربويّة في عمومها، فإنّه يحمل بصفة خاصّة على التساؤل عن نجاعة تدريس المسألة الدينيّة وواقعيّة أهدافها وطموحاتها ومدى امتلاكها الأدوات اللازمة لتحقيق تلك الطموحات. أسئلة يتضاعف إلحاحُها في ظلّ التحوّلات السياسيّة والفكريّة العميقة التي يشهدها المجتمع التونسي والمجتمعات العربيّة والإسلاميّة عامّة في السنوات الأخيرة.

إنّ هذه التساؤلات المشروعة تدعو أصحاب الشأن إلى مراجعة واقع تدريس المسألة الدينيّة في مؤسساتنا التعليمية، واقتراح خطط طموحة وواقعيّة لتطوير مناهجها وممارساتها وطرائقها، حتّى تكون قادرة على الاستجابة لمشاغل المتعلّمين وحاجات التلاميذ والطلبة وتطلّعات المجتمع.

إنّ مقاربة المسألة الدينية مقاربة إبيستسمولوجية من شأنها أن تقدّم لنا إضاءات منهجية ومضمونية مفيدة  وتساعد المخاطبين على فهم مبادئ الدين ومقوماته بشكل منهجي ينسجم مع لغة العصر ومعجمه ويمكنّهم من الإجابة عن إشكالات الحاضر وتحدياته بما ييسّر انخراطهم الإيجابي في الفعل الحضاري الإنساني ويحقّق فاعليتهم باعتبارهم مستخلفين لله في الأرض.

وتقتضي هذه المقاربة الابيستيمولوجية تفكيرا منهجيا  يستند إلى العلوم والأدبيات  التربوية الحديثة يبدأ بالتساؤل عن ماهية المسألة الدينيةووظائفها  والهدف من تدريسها، تساؤلات تمكّننا من وضع تصوّر دقيق لملامح  المتخرج  في جوانبها الفكرية والمهارية والوجدانية ومن ثمّ تحديد المقاصد والانتظارات المستهدفة قبل  التفكير في المضامين المعرفية، إذ المضامين تحدّدها الأهداف والانتظارات ولا تحدّدها الرغبات الشخصية والاختصاصات المعرفية للمدرّسين وصنّاع البرامج التعليمية.

على هذا الأساس فإنّ دراسة المسألة الدينية يجب أن تُبنى وتُتصور من جديد وأن تقام على أسس إسلامية مغايرة وتُناط بها أغراض جديدة تتفق مع الإسلام، في منهجيته ومقاصده، وتستوعب القيم الحضارية الحديثة

 

وإنّي أعتقد أنّنا سنجد صدى  لهذه الأفكار والخواطر في مداخلات هذا اليوم الدراسي التي أنفق أصحابها كثيرا من الجهد والوقت لإعدادها، فلهم الشكر على ما أعدوا ولهم الشكر على ما سيقدّمون

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *